ابن باجة

16

تعاليق ابن باجة على منطق الفارابي

المقولات ) . فصحّ إذن عنده أنّه ليس يضطرّ المتعلّم إلى أن يستعمل من هذا الكتاب شيئا مما تلخّص في « كتاب المقولات » بل كلّ ما في هذا الكتاب ( أي « العبارة » ) يمكن أن يتعلّم ويفهم دون « المقولات » . « 1 » ومع ذلك « فكتاب المقولات » يتقدّم عليه « بحسب الإضافة إلى الصناعة » ، من حيث إنّ المقولات شبيهة بالمادّة والموضوع لجميع أجزاء المنطق » ، فكان « كتاب المقولات » بهذا المعنى أوّل أجزاء المنطق ، بل أوّل أجزاء الفلسفة عامّة ، « لأنّ الفلسفة ليست تنظر في شيء آخر غير المقولات أوّلا ، لا في التعاليم ولا العلم الطبيعيّ ولا العلم المدنيّ » . وعليها قس العلم الإلهي فإنّه « إنّما ينظر أكثر شيء ينظر فيه في المقولات » ، فكان « كتاب المقولات » متقدّما « لكتاب العبارة » إذن ، بحسب الصناعة لا بحسب التعليم ، أي أنّ تقدّمه ذلك بالجوهر لا بالعرض . أمّا منفعته فهو يرى أنّ هذا الكتاب « ممّا لا يعرف القياس ولا يلتئم » إلّا بما تناوله أرسطو فيه . وذلك أنّ القياس إنّما يتألّف من المقدّمات ، ويتطرّق منها إلى المطلوبات ( أي النتائج ) ، أمّا من حيث هي صادقة ومن حيث توجد فيها أشياء لا توجد في المقدّمات ، أي من حيث هي قابلة للاستنباط فكان غرضه في هذا الباب « تلخيص المطلوبات أكثر من تلخيص المقدّمات » « 2 » . تلقى تعاليق ابن باجه الضوء الكثير على هذا التمييز الغامض بين المقدّمات وبين المطلوبات من حيث صلتها بغرض « كتاب العبارة » ، و « كتاب المقولات » ، عند الفارابي . فهو يضع أوّلا أنّ الفارابي إنّما أعطانا في « كتاب المقولات » مبادئ الفكر وعرفنا بها وبأحوالها ، لذا عمد في هذا الكتاب ( أي « العبارة » ) إلى تعريفنا « كيف نفكّر بها » « 3 » . ولمّا كانت الفكرة لا تكون إلّا بقضايا ، وكانت القضايا مركّبة من ألفاظ ، تكلّم أوّلا في الألفاظ المفردة وفي الأحوال التي تلحقها ، كالميل والاستقامة وغير ذلك . ثمّ تطرّق من ذلك إلى المحمولات بالذات والمحمولات بالعرض ، قاصرا كلامه كلّه على القضايا الحمليّة ، وهي التي تفيد البرهان أصلا .

--> ( 1 ) المرج السابق ، ص 23 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 20 . ( 3 ) كلام في كتاب العبارة ، أكسفورد ، ص 196 ب ، وأسكوريال ، ص 49 ب .